علي بن أحمد المهائمي
703
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
[ الأعراف : 156 ] ، والعرش وسع كلّ شيء ، والمستوي الرّحمن فبحقيقته يكون سريان الرّحمة في العالم كما قد بيّناه في غير موضع من هذا الكتاب ومن الفتوح المكّي ] . ( وأما حكمة الطيب وجعله بعد النساء فلما في النساء من روائح التكوين ) ، فإنهن ، وإن ظهرت فيهن الذات الإلهية ، فإنما ظهرت فيهن من حيث الانفعال المشار إليه في قوله : وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ [ الشورى : 25 ] ، وهو سابق في حق العبد على تخلقه بالأخلاق الإلهية التي هي الروائح الطيبة ، بل إنما تحصل بالانفعال ، وإنما كانت روائح طيبة إذ بها غاية التقرب من المحبوب بحيث يصير فاعلا بأسمائه كفعله ، فكأنه معانق له والمعانقة غاية الطيب ، ( فإنه من أطيب الطيب عناق الحبيب ) ، وهو وإن لم يكن كلام من يتمسك بقوله من الأنبياء والأولياء ؛ فهو مقبول في العامة فيصح التمسك به في باب الإشارات التي تكفي فيها [ الخطائيات ] « 1 » إذ هم ( كذا قالوا في المثل السائر ) . ثم استشعر سؤالا بأنه عليه السّلام كيف قدم جهة الانفعال فيما حبب إليه بعد النبوة التي لا تكون إلا بكمال التخلق ؟ فأجاب بقوله : ( ولما خلق صلّى اللّه عليه وسلّم عبدا ) ؛ لأن جهة العبودية فيه ( بالأصالة لم يرفع رأسه قط إلى السيادة ) التي يفعل بها بالأسماء الإلهية عند التحقيق بها بعد التخلق ، وإن بلغ من كمال التخلق ما بلغ ، بل من كمال التخلق ما بلغ ، ( بل لم يزل ساجدا ) وهو أنه كان عند التخلق بالأسماء الإلهية ( واقفا مع كونه منفعلا ) عنها إلا فاعلا بها ( حتى كون اللّه عنه ما كون ) بأسمائه التي تخلق بها ، ( فأعطاه رتبة الفاعلية ) بتلك الأسماء ؛ ليتحقق بها بعد التخلق الذي هو انفعال عنها ، وذلك بأن جعله عند كمال التخلق بها ( في عالم الأنفاس ) الرحمانية ( التي هي الأعراف ) ، أي : الروائح ( الطيبة ) عن تلك الأسماء للنفخ في الموجودات . وهي المشار إليها بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « ألا إن للّه في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها » « 2 » ، فانقسم هذا الطيب إلى طيب التخلق ، ( فحبب إليه الطيب ) عند كمال طيبه المعنوي الطالب لمناسبة الذي هو الطيب الحسي ، وكان الطيب الأول انفعاليّا وهذا فعليّا ؛ ( فلذلك جعله بعد النساء ) كأنه إذ ضل فيهن الطيب الانفعالي ، فكأنه لظهور الحق بأسمائه فيه ترتيب ، ( فراعى ) في ترتيب ما في هذا الخبر ( الدرجات التي للحق ) في ظهوره بالأسماء ، فإنه يظهر أولا بالانفعال وآخرا بالفعل ، وذلك عند استوائه على عرشه الذي هو قلب
--> ( 1 ) هكذا بالأصل . ( 2 ) رواه الطبراني في « الأوسط » ( 3 / 180 ) ، و « الأكبر » ( 19 / 233 ) .